ابن عربي
129
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
من سهى عن السّها فما سها * من سها عن المهاة قد سها قال تعالى : يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ [ الطلاق : 12 ] ففي ذلك وقع الهيمان بهذا العارف ، والمها : الشمس ، والمها : بقر الوحش ، فهذا سماوي وهذا أرضي وبينهما وقع الهيمان لهذا العارف ، وهو الذي أردنا بقوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [ الطلاق : 12 ] ، ثم قال : يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ ، وقوله : من سهى عن السّها فما سها يقول : من غابت عنه الأمور الخفيفة فلم يدركها فما يقال فيه : سهى عنها ، بل هي عزت عليه فلم يدركها كالمشاهد البرقية الذاتية ، وإنما يقع السهو فيمن لا يدرك الأمور الجلية لشغله عنها بأمور أخر إيثارا له عليها كمن لا يرى الشمس وهو فيها يمشي ، فبهذا يسمى ساهيا ، ثم قال : سربه بسربه لسربه * فاللّهى تفتح بالحمد اللّها إنها من فتيات عرب * من بنات الفرس أصلا إنها نظم الحسن من الدّرّ لها * أشنبا أبيض صافي كالمها لما ذكر المها ذكر سرب وهو أيضا من العالم الترابي الأرضي فقال : سربه من السير بسربه ، يعني بنفسه لسربه من أجل هؤلاء الأحباب الذين شبههم بالسرب ويعني بنفسه ، أي قدم نفسك بين أيديهم قربة وهدية ، فإنك إذا فعلت ذلك أحبوك وأثنوا عليك ، فاللها : الأعطيات تفتح بالحمد الثنا ، اللها : جمع لهاة ، وقد قيل في ذلك : تهدي الأضاحي * وأهدي مهجتي ودمي وقلنا في ذلك : وأهدي عن القربان نفسا معيبة * وهل ريء خلق بالعيون تقربا وكان بعض الفقراء يوما بمنى رأى الناس يقربون قرباناتهم ، وكان فقيرا لا شيء له في الدنيا ، فقال : يا رب كل قد وهبته شيئا يتقرب به إليك ، وليس عند عبدك الفقير سوى نفسه وقد جعلتها في هذا اليوم قربانا إليك فاقبلها مني ولا ترد قرباني في وجهي إنك جواد كريم ، فمات من حينه وهو واقف . وقوله : إنها من فتيات البيت بكماله ، يقول : إنها من المعارف المحمدية وإن كان أصلها أعجميا ، فإن اللّه يقول لما ذكر الأنبياء في القرآن ، قال اللّه تعالى لنبيه عليه السلام : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] ، والعجمة في الوضع بالأصل أقدم من العربية ويجمعها الكلام والعبارة المعجمة متقدمة فلهذا قال : من الفرس أصلا .